المقريزي
255
إمتاع الأسماع
وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطأي وعمدي ، وكل ذلك عندي " . وهذا كثير في الأدعية المأثورة ، فإن الدعاء عبودية لله سبحانه وتعالى وافتقار إليه ، وتذلل بين يديه سبحانه وتعالى ، فكلما كثره العبد وطوله ، وأعاده وأبدأه ، ونوع جملته ، كان ذلك أبلغ في عبوديته ، وإظهار فقره ، وتذلله وحاجته ، فكان ذلك أقرب له من ربه سبحانه تعالى وأعظم لثوابه . وهذا بخلاف المخلوق ، فإنك كلما كثرت سؤالك إياه وعددت له حوائجك أبرمته وثقلت عليه وهنت في نفسه عنده ، كلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده وأحب إليه ، والله جل جلاله كلما سألته كنت أقرب إليه وأحب إليه ، وكلما ألححت في الدعاء أحبك ، ومن لم يسأل الله سبحانه وتعالى يغضب عليه ، فالله سبحانه وتعالى يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب ( 1 ) ، فالمطلوب منه سبحانه وتعالى يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه . وأما الخبر ، فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى ولا يحتمل الزيادة والنقصان ، فلم تكن في زيادة اللفظ فيه كبير فائدة ، ولا سيما والمقام ليس مقام إيضاح وتفهيم المخاطب ليحسن معه البسط والإطناب ، فكان الإيجاز والاختصار فيه أكمل وأحسن ، فلهذا جاء فيه بلفظ إبراهيم تارة ، وبلفظ آله تارة أخرى ، لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي تقدم ذكره ، فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والاختصار ، بخلاف ما لو قيل : صل على محمد ، لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على آله ، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ، ليس خبرا عن أمر قد وقع واستقر . ولو قيل : صل على آل محمد لكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما يصلى عليه ضمنا في العموم ، فقيل : على آل محمد ليحصل له صلى الله عليه وسلم بذلك الصلاة عليه بخصوصه ،
--> ( 1 ) إشارة إلى قول الشاعر : لا تسألن بني آدم حاجة * وسل الذي أبوابه لا تقضب فالله يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب القضب : القطع . ( لسان العرب ) : 1 / 678 .